محمد بن جرير الطبري
203
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : أفلم ييأس الذين آمنوا قال : ألم يتبين الذين آمنوا . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : أفلم ييأس الذين آمنوا قال : ألم يعلم الذين آمنوا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : أفلم ييأس الذين آمنوا قال : ألم يعلم الذين آمنوا . والصواب من القول في ذلك ما قاله أهل التأويل : إن تأويل ذلك : أفلم يتبين ويعلم لاجماع أهل التأويل على ذلك والأبيات التي أنشدناها فيه . فتأويل الكلام إذا : ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن كان سيرت به الجبال لسير بهذا القرآن ، أو قطعت به الأرض لقطعت بهذا ، أو كلم به الموتى لكلم بهذا ، ولو يفعل بقرآن قبل هذا القرآن لفعل بهذا . بل لله الامر جميعا يقول : ذلك كله إليه وبيده ، يهدى من يشاء إلى الايمان فيوفقه له ويضل من يشاء فيخذله ، أفلم يتبين الذين آمنوا بالله ورسوله إذ طمعوا في إجابتي من سأل نبيهم من تسيير الجبال عنهم وتقريب أرض الشام عليهم وإحياء موتاهم ، أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا إلى الايمان به من غير إيجاد آية ولا إحداث شئ مما سألوا إحداثه . يقول تعالى ذكره : فما معنى محبتهم ذلك مع علمهم بأن الهداية والاهلاك إلي وبيدي أنزلت آية أو لم أنزلها أهدي من أشاء بغير إنزال آية ، وأضل من أردت مع إنزالها . القول في تأويل قوله تعالى : ( ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ) يقول تعالى ذكره : ولا يزال يا محمد الذين كفروا من قومك تصيبهم بما صنعوا من كفرهم بالله وتكذيبهم إياك وإخراجهم لك من بين أظهرهم قارعة ، وهي ما يقرعهم من البلاء والعذاب والنقم ، بالقتل أحيانا ، وبالحروب أحيانا ، والقحط أحيانا . أو تحل أنت يا محمد ، يقول : أو تنزل أنت قريبا من دارهم بجيشك وأصحابك حتى يأتي وعد الله الذي وعدك فيهم ، وذلك ظهورك عليهم وفتحك أرضهم وقهرك إياهم بالسيف . إن الله لا يخلف الميعاد يقول : إن الله منجزك يا محمد ما وعدك من الظهور عليهم ، لأنه لا يخلف وعده .